المناوي

165

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

فتركه ذو النون ، ثم خرج إليه بطبق مغطّى ، وكان يسكن الجيزة ، فقال له : اذهب بهذا إلى فلان ، فتفكّر ابن يوسف ، وقال : أترى أيش هذا ؟ فكشفه فإذا فيه فأرة ، ففرّت ، فرجع إليه خجلا ، فقال ذو النون : يا أحمق ، ائتمنتك على فأرة فخنت ، فكيف تؤمّن على الاسم الأعظم ؟ اذهب عنّي ، فقال : أوصني قال : عليك بصحبة من تسلم منه في ظاهر أمرك ، وتبعثك على الخير صحبته ، وتذكّرك اللّه رؤيته . ومن كلامه : علم القوم بأنّ اللّه يراهم فاستحيوا من نظره أن يراعوا شيئا سواه . وقال : من ذكر اللّه بحقيقة ذكره نسي ذكر غيره ، ومن نسي ذكر كلّ شيء في ذكره حفظ عليه كلّ شيء . وقال : لا يمحو الشّهوات من القلب إلّا خوف مزعج ، أو شوق مقلق . وقال له رجل : دلّني على طريق المعرفة . فقال : أر اللّه الصّدق منك في جميع أحوالك ، بعد أن تكون موافقا للحقّ ، ولا ترق إلى حيث لم يرق بك ، فتزلّ قدمك ، فإنّك إذا رقيت سقطت ، وإذا رقي بك لم تسقط ، وإيّاك أن تترك اليقين لما ترجوه ظنّا . وقال : عارضني بعضهم ، وقال : لا تدرك مرادك من علمك « 1 » حتى تتوب ، فقلت : لو أنّ التوبة تطرق بابي ما أذنت لها على أنّي أنجو بها من ربّي ، ولو أنّ الصّدق والإخلاص كانا عبدين لي لبعتهما زهدا فيهما ، لأنّي إن كنت عنده في علم الغيب سعيدا مقبولا لم أتخلّف باقتراف الذّنوب ، وإن كنت عنده شقيّا مخذولا لم تسعدني عنده توبتي وإخلاصي ، وإنّ اللّه خلقني بلا عمل ولا شفيع كان لي إليه ، وهداني لدينه الذي ارتضاه ، فاعتمادي على فضله وكرمه أولى من اعتمادي على أفعالي المدخولة وصفاتي المعلولة .

--> ( 1 ) في ( أ ) : عملك .